الشيخ محمد حسين الحائري

412

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

وثوق العامي بنظر المجتهد واستنباطه أقوى من وثوقه بنظره غالبا فعدوله عنه إليه عدول عن أقوى الامارتين إلى ضعفهما وأما المجتهد فلا يجوز له تقليد غيره في المسائل الشرعية التي اجتهد فيها إجماعا على ما حكاه بعضهم ويشكل بما ذهب إليه كثير من حجية الاجماع المنقول من حيث نقل المنكشف وما ذهب إليه قوم من حجية الشهرة وما ذهب إليه بعض من الاكتفاء في إثبات السنن بالفتوى وإن اتحد المفتي من حيث النص لا من حيث الاحتياط فإن ذلك كله بحسب الظاهر تقليد إذ لا نعني به إلا الاخذ بفتوى الغير من غير حجية قطعية كانت الفتوى أو ظنية اتحد المفتي أو تعدد وإن كان الاخذ لحجة وهي الأدلة الدالة على جواز التمسك بالمذكورات وأما الاخذ بالاجماع المحصل على الطريق المعتبر عندنا فليس منه لأنه أخذ بالمنكشف لا بالكاشف وبالجملة فحال المجتهد في أخذه بقول غيره في هذه الموارد كحال العامي في أخذه بفتوى مجتهده في كونه أخذا للحكم من غير دليل عليه وإن كان له دليل على الاخذ ولعل القائلين بحجية المذكورات غفلوا عن كونها مندرجة تحت عنوان التقليد فيمكن إبطال قولهم بها بالاجماع إن تم مع احتمال أن يكون الغفلة من ناقل الاجماع في المقام حيث أطلق الدعوى ولا سبيل إلى الفرق بأن تعويل المجتهد في المذكورات على الظن الحاصل منها ولهذا يبحث عن المعارض ويلاحظ في العمل بها عدمه بخلاف أخذ العامي بقول المفتي فإنه من حيث إنه قوله بدليل جعله من باب التعبد لان بعض القائلين بحجيتها ربما يعول عليها من حيث التعبد للنص كما يرشد إليه بعض أدلتهم وبعضهم يجعل حجية التقليد من حيث الظن لا التعبد نعم يمكن التفصي عن ذلك في نقل الاجماع بأن التعويل عليه باعتبار حكاية الناقل لقول المعصوم لا باعتبار إفتائه به كما في الرواية فإن الاخذ بها أخذ بنقله لا بقوله ومذهبه ويمكن الجواب بأن ما دل على حجية تلك الأوامر دل على أن مؤداها هو الحكم الظاهري في حق المجتهد وهو يأخذ بما قامت الحجة عليه مع قطع النظر عن الاخذ ولهذا يلزمه مقتضاه وإن لم يعمل به بخلاف فتوى المفتي فإنها إنما تثبت في حق المقلد بعد أخذه به لا مطلقا ولهذا لو عصى ولم يأخذ به ثم وجد مفت آخر جاز له الرجوع إليه بل قد يتعين وأما المسائل التي لم يجتهد فيها وتمكن من الاجتهاد فيها فالحق عدم جواز التقليد فيها أيضا وإن كان قد قلد فيها قبل الاجتهاد ولا أظن أحدا من أصحابنا يخالف في ذلك نعم نقل الخلاف فيه عن بعض أهل الخلاف وربما كان مستندهم أصالة بقاء جواز العمل بالتقليد وإطلاق الأدلة السمعية الدالة عليه والكل ضعيف في مقابلة الشهرة العظيمة إن لم يثبت إجماع مع انصراف الأخير إلى غير المتمكن فيبقى أصالة بقاء الاشتغال بالعمل بالأحكام مستدعيا للفراغ اليقيني وهو إنما يحصل بالاجتهاد على أن العدول عن الاجتهاد إلى التقليد عدول عن أقوى الامارتين إلى أضعفهما وهو بعيد عن الاعتبار ولو عجز المجتهد عن الاجتهاد في مسألة لضيق وقت أو عدم كتاب أو عدم تمكن من مراجعته تعين عليه التقليد في موضع الحاجة ويستمر ذلك باستمرارها إلى أن يتمكن من الاجتهاد ويمضي على مقتضى التقليد فيما أوقعه على وجهه وإن أدى نظره بعد ذلك إلى خلافه ما لم يقطع به كما في العامي ولو قلد ثم تمكن من الاجتهاد سقط عنه التقليد لانتفاء موجبه فلو اعتراه المانع بعد ذلك واضطر إلى التقليد جاز له تقليد غير من قلده سابقا وإن منعنا من العدول لأنه تقليد ابتدائي ولو اضطر إلى التقليد في مسألتين ثم تمكن من الاجتهاد في إحداهما على البدلية ففي سقوط حكم التقليد فيهما فيجوز له العدول بعد التعذر وعدمه وجهان وأما المسائل التي يتردد فيها فإن كان تردده لعدم إمعان النظر في أدلتها فحكمه كما مر من عدم جواز التقليد مع التمكن مع إمعان النظر وجوازه مع عدم إمكانه وإن كان بعد إمعان النظر وتكافؤ الأدلة في نظره فحكمه التخيير في العمل بأيهما شاء أو طرحها والرجوع إلى الأصول الظاهرية على خلاف يأتي في بحث التعادل ولا سبيل له حينئذ إلى التقليد ويجوز له التقليد في المسائل التي لا سبيل له إلى الاجتهاد فيها كمباحث اللغة لكن جواز التقليد فيها من حيث الظن لا التعبد هذا كله في المجتهد المطلق وأما المتجزي بناء على جوازه فلا يبعد إلحاقه بالمجتهد المطلق بالنسبة إلى المسائل التي يتمكن من الاجتهاد فيها لا سيما مع عدم سبق التقليد فيها مع احتمال التخيير بين ذلك وبين التقليد وكيف كان فالحكم يدور مدار نظره أو نظر من يرجع إليه في ذلك وأما أصول الدين فقد اختلفوا في التقليد فيها فقيل بتحريمه ووجوب النظر وقيل بجوازه وقيل بوجوبه وتحريم النظر والمراد بالتقليد هنا معناه المعروف أعني الاخذ بقول الغير من غير حجة أي من غير حجة على القول كما نبهنا عليه في بيان الحد ومعنى الاخذ بقوله هنا الالتزام به إذا كان مفيدا للاعتقاد فيرجع النزاع إلى أن طريق تحصيل الاعتقاد المعتبر في الأصول هل هو منحصر في النظر فلا يجوز الاعتماد على الاعتقاد الحاصل عن التقليد أو منحصر في التقليد فيجب الاعتماد على الاعتقاد الحاصل منه ولا يجوز النظر أو لا ينحصر في أحدهما بل يتخير بينهما وإنما اعتبرنا حصول الاعتقاد بالتقليد في محل النزاع للاجماع على أن الايمان لا يتحقق بدون الاذعان ولم تعتبر خصوص القطع ليتم على القول بكفاية الظن ولا ريب أن كلا من النظر والتقليد طريق في نفسه إلى تحصيل الاعتقاد وإن اعتبر بلوغه مرتبة القطع ولهذا تراهم يعتبرون الثبات في تعريف العلم بعد اعتبار الجزم احترازا عن الجزم